ابراهيم اسماعيل الشهركاني

496

المفيد في شرح أصول الفقه

إلى فعل المهم في حال ترك الأهم ، فكيف يكون داعيا إلى الجمع بين الأهم والمهم في آن واحد ؟ وبعبارة أوضح : أن إيجاب الجمع لا يمكن أن يتصور إلا إذا كان هناك مطلوبان في عرض واحد ، على وجه لو فرض إمكان الجمع بينهما لكان كل منهما مطلوبا ، وفي الترتب لو فرض محالا إمكان الجمع بين الضدين فإنه لا يكون المطلوب إلا الأهم ، ولا يقع المهم في هذا الحال على صفة المطلوبية أبدا ، لأن طلبه حسب الفرض مشروط بترك الأهم ، فمع فعله لا يكون مطلوبا . وأما ( الثّاني ) : وهو الدليل على وقوع الترتب وأن الدليل هو نفس دليلي الأمرين ، فبيانه : أن المفروض : أن لكل من الأهم والمهم - حسب دليل كل منهما - حكما مستقلا مع قطع النظر عن وقوع المزاحمة بينهما ، كما أن المفروض : أن دليل كل منهما مطلق بالقياس إلى صورتي فعل الآخر وعدمه . فإذا وقع التزاحم بينهما اتفاقا ، فبحسب إطلاقهما يقتضيان إيجاب الجمع بينهما ، ولكن ذلك محال ، فلا بد أن نرفع اليد عن إطلاق أحدهما ، ولكن المفروض : أن الأهم أولى وأرجح ولا يعقل تقديم المرجوح على الراجح والمهم على الأهم ، فيتعين رفع اليد عن إطلاق دليل الأمر بالمهم فقط ، ولا يقتضي ذلك رفع اليد عن أصل دليل المهم ، لأنه إنما نرفع اليد عنه من جهة تقديم إطلاق الأهم لمكان المزاحمة بينهما ، وأرجحية الأهم والضروريات إنما تقدر بقدرها ( 1 ) . وإذا رفعنا اليد عن إطلاق دليل المهم - مع بقاء أصل الدليل - فإن معنى ذلك : اشتراط خطاب المهم بترك الأهم . وهذا هو معنى الترتب المقصود . والحاصل : أن معنى الترتب المقصود هو اشتراط الأمر بالمهم بترك الأهم ، وهذا الاشتراط حاصل فعلا بمقتضى الدليلين ، مع ضم حكم العقل بعدم إمكان الجمع بين امتثالهما معا ، وبتقديم الراجح على المرجوح الذي لا يرفع إلا إطلاق دليل المهم ، فيبقى أصل دليل الأمر بالأهم على حاله في صورة ترك الأهم ، فيكون الأمر الذي يتضمنه الدليل مشروطا بترك الأهم .